إدارة الأداء الوظيفي 3

ما زال الحديث متواصلاً عن نظام إدارة الأداء الوظيفي لأهميته لفئة عريضة من المجتمع الوظيفي، والذي يؤكده العدد الكبير من التعليقات التي أتلقاها بهذا الخصوص.
تكلمت عن المتاعب والمصاعب التي تواجهها الإدارات والموظفين عند صياغة الأهداف الذكية وذات العلاقة بعمل الموظف ومهام إدارته؛ ولدي البديل الذي ابتكرته قبل خمس سنوات في إحدى وزارات الدولة. طريقة جعلت من وضع الأهداف عملية غاية في السرعة والسهولة والمهنية، وبدون الحاجة إلى تعديل الصياغات الركيكة أو الفضفاضة لبعض الموظفين. وذلك عبر ربط أداء الموظف بمصدرين للمهام لا ثالث لهما؛ مبادرات وفرق عمل الخطة الاستراتيجية، ومهام الإدارات أو عملياتها – للجهات التي لديها شهادة آيزو ISO معتمدة! – تلك الشهادة التي لطالما اعتبرها الكثيرون جهداً ورقياً لا طائل من ورائه. وهي كذلك؛ إن لم يجر تفعيلها في أنظمة متكاملة تصب في تطوير عمليات الإدارات وأدائها.
بالطبع لا يمكنني توضيح الطريقة من خلال مقال مختصر؛ إلا أنها جعلت مهمة كتابة وثيقة الأداء السنوي للموظف لا تستغرق أكثر من ساعات قليلة بدلا من مهلة الشهرين حسب النظام الحالي، بشرط امتلاك الجهة لخطة استراتيجية وتوثيق لعمليات إداراتها.
ومن الممارسات التي تتسبب بالضيق للموظفين تحديد «كوتة» لعدد الحاصلين على تقدير (4) أو (3) أي يفوق أداؤهم التوقعات. وهذا التحديد لا داعي له إلا إذا كنا نشك في كفاءة ودقة آلية عمل النظام ومعاييرها لتحديد الأداء الفعلي؛ أو عدم الثقة في عدالة المسؤول المباشرة في التقييم. وما يجدر الإشارة إليه هو التوجه نحو إلغاء تلك الكوتة في بعض الجهات. ولعل من الحلول العملية زيادة درجات التقييم إلى 7 بدلاً من 4، بإضافة (1.5 ـ 2.5 ـ 3.5) ما يتيح تقييماً أدق ومفاضلة أفضل بين الموظفين؛ على غرار التقييم الجامعي.
ثم إن النظام منح فرصة شهرين لإتمام وثيقة الأداء في بداية العام، وشهرين في نهاية العام لأغراض التقييم؛ ما يعني أنه في أسوأ الظروف لن يجري تقييم ثلث مدة العام لأنها داخلة في الإعداد أو التقييم. بمعنى أننا لا يمكن أن نحاسب على ما لم نتفق عليه ونعتمده، ولا يمكن أن ننتظر إلى نهاية العام حتى نبدأ التقييم! ومرة أخرى فالطريقة التي ابتكرتها تجاوزت هذه المعضلة وحصرتها في أول أسبوعين من العام للإعداد وآخر أسبوعين للتقييم.
كل الذي أريد قوله هو إن النظام غاية في الأهمية وخطوة عملاقة لإحداث التطوير؛ لكنها بحاجة إلى مراجعة وتحسين حتى تكون ذراعاً رافعة للأداء الحكومي.

إدارة الأداء الوظيفي 2

في المقال السابق تناولت أهم المبادئ التي يرسيها التطبيق المناسب لنظام إدارة الأداء الوظيفي؛ وجاءتني على إثره بعض التساؤلات والملاحظات الجديرة بالمناقشة.
يظن البعض أن النظام لا يصلح للمؤسسات والدوائر الحكومية؛ بل هي فعالة فقط في القطاع الخاص؛ في حين التجارب التي لدينا على المستوى الاتحادي والمحلي تؤكد عكس ذلك. وأعرف جهات بعينها نجحت إلى حد معقول في استثمار النظام لإدارة أفضل لموظفيها وأدائهم. لكن وجهة النظر هذه واقعية بالنظر إلى الكثير من الممارسات الخاطئة التي أدت إلى تفريغ النظام من مضمونه. وأذكر بعض تلك الممارسات.
يحاول النظام إرساء آليات ومعايير موضوعية لتقييم أداء الموظفين بعيداً عن الأحكام المسبقة أو مزاجية بعض المديرين، وهذا ـ من وجهة نظر البعض – يسلب المدير صلاحياته ويحد من سلطاته التقييمية التي ظل يمارسها لعقود من الزمن بعيداً عن قيد المعايير الموضوعية الشفافة والعادلة والمتفق عليها بين الأطراف الثلاث: الموظف، المسؤول، والمؤسسة.
أغلب المؤسسات عانت الأمرين في سبيل وضع أهداف سنوية للموظفين. وشكل ذلك عبئاً إضافياً يقتطع أوقاتاً وجهداً ثمينين؛ بسبب تفاوت مهارة الموظفين في حصر كامل المهام التي يعملون عليها؛ فضلاً عن قدراتهم اللغوية للوصول إلى صياغة سليمة، واضطرت في بعض الأحيان إلى الاستعانة بمختصين في اللغة لتحقيق ذلك! وهذه الطريق في كتابة الأهداف الوظيفية وضعت النظام أمام مشكلة أكبر؛ ألا وهي عدم القدرة على التقييم والمقارنة العادلة بين أداء موظفين يقومان بالمهام ذاتها لكن بأهداف جرت صياغتها بطريقة مختلفة!
الغريب أن النظام عامل المدير والموظف بالطريقة ذاتها عند وضع الأهداف، ولم يتطرق إلى أن أهداف الموظف تتعلق بأداء المهام الكمية أو ما يسمى (Output)، في حين أن مهام المدير وأهدافه يجب أن تتعلق بالنتائج (Outcome) والمرتكزة على مدى عاملين: دقة الأهداف المصممة للموظفين، ومستوى نجاحهم في تنفيذها. أما ترك الحرية للمدير لوضع أهداف شخصية غير مرتبطة بأداء موظفيه؛ فتجعله ينشغل بنفسه دون أداء الدور القيادي والإداري المنوط به أساساً.
قائمة المهارات السلوكية هي الشق الثاني في نظام تقييم الأداء. وهي عبارة عن بعض القيم الأخلاقية والمهارات الفنية والإدارية التي يجب على الموظف إجادتها حتى تمكنه من تحقيق أهدافه بكفاءة وفاعلية. ومن تجربة عملية أقول؛ إن تلك المهارات تحتاج إلى إعادة صياغة على شكل معايير فرعية واضحة وقابلة للتنفيذ والتقييم العادل في نهاية الفترة؛ لأن صياغاتها الإنشائية الحالية سوف تجعلها مكمناً للخلاف والتذمر وعدم الرضا عند صدور أول تقييم للأداء.
كونوا بخير.

نظام الأداء الوظيفي

قبل أيام حظيت بفرصة الالتقاء بأغلب قيادات إحدى مؤسساتنا الحكومية الرائدة في دورة تدريبية على نظام إدارة الأداء الوظيفي. حضور المستويات القيادية لدورة تدريبية هو بحد ذاته بادرة تستحق الإشادة؛ لأنها بخلاف العادة؛ فأغلب المسؤولين والقادة الإداريين يعزفون عن حضور الدورات التدريبية بحجة الانشغال بالاجتماعات والمناسبات الرسمية! ثم إن اهتمام المؤسسة بالتطبيق الأمثل لنظام الأداء يظهر وعياً عالياً بأهمية الموضوع ومحوريته لكلا الطرفين؛ المؤسسة والموظف. وأود في هذه العجالة أن أسلط الضوء على بعض جوانب النظام ومبادئه حتى تستقر في الأذهان وحتى لا تغيب في زحمة الانشغال بالتفاصيل الإجرائية.
1- توضع الأنظمة عادة لتوفر منهجية عملية مستقرة للاسترشاد بها واتباعها فتوفر علينا جهد إعادة اختراع العجلة في كل مرة؛ إلا أنها في الوقت ذاته وسيلة رائعة وأساس للتطوير التالي؛ لا أن تصبح قيداً على التفكير والإبداع.
2- نظام إدارة الأداء واحدة من الأدوات التي يجب أن تمتلكها الإدارة ويتعامل معها المسؤول بعناية ليتمكن من الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة سواء المالية والمعنوية والموارد البشرية؛ في سبيل رفع مستوى الأداء المؤسسي، وتحقيق قفزات نوعية يمكن قياسها وإثباتها. فما لا يمكن قياسه لا يمكن إدارته، وما لا يمكن إدارته لا يمكن تطويره.
3- تطبيق النظام يوفر للمسؤول أداة منهجية لتوجيه الموظفين وتشجيعهم وقياس أدائهم ومعرفة مكامن قوتهم لتعزيزها، وبؤر الضعف لردمها، في جو إيجابي ومن خلال حوارات بناءة.
4- لأن تقييم الأداء يقيس إنجازات عام كامل؛ لذا فالنظام يهتم كثيراً بعنصر التوثيق والدلائل الثبوتية ويجعلها من متطلبات التطبيق؛ بل ويفرضها على كل من المسؤول والموظف في سبيل التوصل إلى تقييم عادل ووفقاً لقرائن ووثائق تعزز الشفافية وتحقق اطمئنان الموظف ورضاه عن التقييم الذي يحصل عليه.
5- دورية التقاء الموظف بالمسؤول، وآلية وضع الأهداف بشكل مشترك، والاتفاق على مستوى الأداء المستهدف؛ تمنح الموظف فرصاً عدة للتواصل مع مسؤوله ومشاركته طموحاته وهمومه والحصول على دعمه المعنوي. وأيضاً هي فرصة ذهبية للمسؤول حتى يتعرف أكثر إلى قدرات فريق عمله وما يحتاجون إليه من تعزيز أو دعم أو تطوير.
6- بدلاً من أن يعد الموظف نفسه بيدقاً على رقعة شطرنج، أو مجرد موظف لا يقدم أو يؤخر؛ يسهم تطبيق النظام في رفع مستوى الولاء الوظيفي والإحساس بالانتماء؛ من خلال ربط أهداف الموظفين وخطط عملهم وأيضاً إنجازاتهم بالأهداف الاستراتيجية للمؤسسة.
كل ذلك وأكثر ممكن التحقيق لكنه رهن لوعي الإدارة ومدى حماسها واقتناعها بجدوى تطبيق النظام.
كونوا بخير.

من محمد إلى هزيم

لا تخلو حياة المرء بل ويومه من الحوادث والمواقف العابرة أو تلك التي تحفر عميقاً في وجدانه. بعضها ينزل الدمعة ويعصر القلب وقد يفلقه، والبعض الآخر يبرق العين ويرسم البسمة ويشعل الحماس ويلهم الروح. لكن الطبيعي هو أن نتعرض لتلك المواقف بعد سن التمييز على أقل تقدير ثم يكثر تعرضنا لها بارتفاع مستوى وعينا بالأشياء من حولنا؛ إلا أن الأمر مختلف مع الطفل «هزيم» ابن صديقي وجاري عبدالعزيز.
ولد هزيم في عام زايد؛ فتلقى قلادة فضية تحمل شعار عام زايد هدية؛ وتلقى معها ما هو أغلى في نظري؛ إنها رسالة شخصية: «ولدي الغالي هزيم، يسرني أن أكون من أوائل المباركين قدومك في كنف أسرتك الحبيبة، وأنت تبصر النور في رحاب وطنك الغالي دولة الإمارات؛ الذي سيقدم لك كل أشكال الاحتضان والدعم والمحبة. وأرجو أن يكون هذا اليوم بداية طريق مملوء بالسعادة والأمل، معبد بالعلم والطموح، وحافل بالعمل والإنجازات».
هذه كانت مقدمة ترحيبية مفعمة بالعاطفة الأبوية. وفي الوقت ذاته؛ لم تغفل أن الإمارات قامت على العلم والطموح والعمل والإنجازات في طريقها لتحقيق السعادة. هذه المقدمة كانت كافية لتبعث السعادة والفخر في نفوس أقارب هزيم، لكن دعونا نكمل الرسالة ونستلهم من معانيها قبل أن نعرف المرسل.
«هزيم، ثق بأنك أمل المستقبل وأنك قادر على أن تضع مستقبلك ومستقبل أمتك ووطنك بيدك. متمسكاً بهويتك الأصيلة وقيمك النبيلة. وقبل كل شيء؛ فإن الأمانة التي تحملها هي أمانة تجاه نفسك. إن المسؤولية الملقاة على عاتقك كبيرة لتحقيق أحلامك والجد في العمل، وتثقيف ذاتك، والتعلم من والديك اللذين لا هم لهما سوى رعايتك وتربيتك ومحبتك، لأنك قرة أعينهما».
بعد هذه الكلمات حدثني عن الولاء والانتماء الذي سيشعر به هزيم عندما تتسنى له قراءتها، وعندما يدرك أنه ليس رقماً عابراً وإنما جزء أصيل ومعتبر من لبنات هذا الوطن، وأن جوهر قيمته يكمن في اعتزازه بشخصه أولاً؛ كي يكون مؤهلاً لحمل أمانة وطنه وأمته. ثم يختم الرسالة قائلاً:
«أدعو الله تعالى أن تكون سنين عمرك ولحظات حياتك مليئة بالسعادة والهناء، وأن يبقيك عوناً وسنداً لأهلك وذخراً وفخراً لوطنك،، مع أطيب تمنياتي وخالص تحياتي».
تلك الرسالة الملهمة وغير المسبوقة كانت من محمد بن زايد آل نهيان إلى هزيم! رسالة من القائد الذي يدرك جيداً أن الإنسان ومنذ نعومة أظفاره؛ هو المبتدأ والخبر في جملة التنمية ومستقبل الوطن.
كونوا بخير.

الأرقام المميزة

قبل أيام كنت طرفاً في نقاش حول ظاهرة الحرص على امتلاك الأرقام المميزة للسيارات والهواتف. تلك الظاهرة التي تأثر بها قطاع كبير من المجتمع وخصوصاً فئة الشباب. وفي سبيل الحصول على تلك الأرقام المميزة يرخص الغالي، وقد يؤجل مشروع زواجه أو بناء بيت العمر. وقد يتحمل سنوات طويلة من الأقساط البنكية مع فوائدها الباهظة.
يلاحظ أن نسبة المتأثرين بهذه الظاهرة تختلف باختلاف الجنسين، وأيضاً حسب الفئة العمرية، إضافة إلى المنطقة الجغرافية والثقافة السائدة. فالفتيات أقل تأثراً بالظاهرة، ولا تجد لها أثراً بين الأطفال؛ في حين تقل حدة التعلق بها كلما تقدم العمر. وهي ظاهرة منتعشة في منطقة الخليج حالياً وشبه غائبة في مناطق كثيرة من العالم.
يروق لي تحليل الظاهرة بشكل مختصر من منظور علم الاقتصاد؛ فالأمر يتعلق بالموارد المحدودة التي يمتلكها الفرد، والمقايضة التي يقوم بها والمفاضلة بين المنافع. حيث إن عليه التخلي عن مجموعة من الخيارات لمصلحة واحدة هي الأكثر قيمة لديه. وعندما أقول «القيمة» فأنا لا أعني «السعر»، بل أعني «المنفعة العائدة». وقد تكون في حالة الحصول على الأرقام المميزة متمثلة في الوجاهة الاجتماعية، الدعم النفسي وزيادة الثقة بالنفس، أو تحقيق الربح المادي الوفير عند إعادة البيع مستقبلاً، أو مزيج من ذلك كله.
قد يقول البعض إنها حرية شخصية؛ وهي كذلك. إلا أنها لا تخرج من كونها تعزيزاً للسلوك الاستهلاكي للكماليات «غير الإنتاجي» في المجمل. ولا يمكن مقارنته بفتح مصنع أو بناء بيت العمر أو دخول عش الزوجية.
وللظاهرة تأثير سلبي من ناحية بناء الشخصية؛ حيث يربط الشاب قيمته بنوع سيارته أو رقمها. وهذا لا يقل خطورة عمن يبني شخصيته بما حققه أبوه أو المنصب الذي يتقلده. يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
كن ابن من شئت واكتسب أدباً .. يُغْنِيكَ مَحْمُودُهُ عَنِ النَّسَبِ
إن الفتى من يقول ها أنا ذا .. ليسَ الفَتَى مَنْ يقولُ كان أبي
وشخصياً أرى أن للجهات الرسمية دوراً في ضبط تطور الظاهرة ومحاولة ترشيدها. ويبدو أنها تتجنب التوجيه المباشر أو وقف الظاهرة بأوامر حكومية؛ حتى لا تأخذ دور الأخ الأكبر، وكي تسمح للمجتمع بمعالجة مواطن الخلل فيه من تلقاء نفسه مع الأخذ بعامل الزمن في الحسبان. ولعلها ببيعها للأرقام قضت على ظاهرة المحسوبية في التوزيع، وأما إصدارها لأكثر من فئة للرقم الواحد فسوف يقضي على ظاهرة التفاخر به مع مرور الوقت وكثرة المعروض.

كيف نرد الجميل؟

الاثنين

حفظ الفضل والجميل لأهله ورده لهم بما هو أفضل وأجمل هو من شيم الكرام ومن الخصال التي تحرص العرب على غرسها في نفوس أبنائها، وجاء الإسلام وأيضاً كافة الشرائع السماوية لتعزيز تلك السمة في نفوس أتباعها. لكن كما يقال؛ “الشعور بالعرفان وعدم التعبير عنه كتغليف هدية وعدم تقديمها”؛ لذا من الواجب أن أقول كلمة لصاحب الفضائل صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى للاتحاد، حاكم إمارة الشارقة وباني نهضتها. وبالأحرى هي ثلاث كلمات.
الكلمة الأولى لشكر سموه على كل شيء بذله ولا يزال في سبيل إسعاد شعبه وتوفير الحياة الكريمة والعزيزة لهم ومؤخراً؛ الزيادة في رواتب الموظفين لتصبح الرواتب الأفضل مقارنة بكافة الموظفين الحكوميين في الدولة؛ فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله يا صاحب السمو، وقد عهدناك محبا لنا ورحيماً بنا ومتلمساً لمعاناة ضعفائنا. والدراسة الاستقصائية التي قمت بها بنفسك لتحديد الحد الأدنى للدخل؛ لهي سابقة تكتب بماء الذهب في سجلات التاريخ قديماً وحديثاً. ولن يقدر على مكافأتك عليها إلا المولى الكريم، فجزاك الله عنا خير الجزاء.
والكلمة الثانية موجهة إلى دائرة الموارد البشرية بالشارقة التي عليها التفكير ملياً في كيفية الاستثمار الأفضل لتلك المكرمة بما يحقق قفزة في الأداء الحكومي من خلال إطلاق برامج مكثفة للتأهيل المهني وإكساب الموظفين مهارات رفع كفاءة الأداء. مع تفعيل قوانين مكافأة المحسنين والمجتهدين، ومحاسبة المتهاونين. لأننا بهذه الطريقة فقط يمكننا مضاعفة العائد على القرار السامي برفع الرواتب والتي تكلف الإمارة أكثر من 600 مليون درهم سنوياً.
وكلمة أخيرة لإخواني وأخواتي الموظفين. فهذه المكرمة بمثابة أمانة حملكم إياها صاحب السمو. وقد قيل؛ إننا عندما نعبر عن عرفاننا، علينا ألا ننسى أن أقصى درجات التقدير لا تتمثل بنطق الكلام، وإنّما بتطبيقه. فكونوا أهلاً لهذه المكرمة من خلال مضاعفة الأداء وتطوير الأعمال وبذل قصارى الجهد والحفاظ على موارد مؤسساتكم والتفاني في خدمة المراجعين والقيام بالأعمال بأقصى درجات الإخلاص. وحذار من التقصير واعتبار المكرمة فرصة للاستزادة من الكماليات والإسراف فيما لا يعود بالنفع المستدام عليكم وعلى أسركم ووطنكم؛ وقد قال الأصمعي رحمه الله تعالى: سمعت أعرابياً يقول أسرع الذنوب عقوبة كفر المعروف.
إننا في الإمارات –بفضل الله تعالى- نعيش عصراً ذهبياً يؤهلنا لتحقيق أعلى مستويات جودة الحياة السعيدة، وأتمنى من الجميع أن يكون على قدر هذه العطايا وأهلاً لرد الجميل لأهله.

كونوا بخير

متلازمة المنتحل

هل لاحظت فرقاً واضحاً في طلاقة الحديث بين طفلين لهما نفس مقدار الذكاء وحظيا بالقدر ذاته من التعليم وقد يكونا قد نشآ في البيئة نفسها؟ هل صادفت خذلاناً بوصفك مديراً أو مسؤولاً من موظف أعجبت به وحرصت على تعيينه لتفوقه الدراسي وفرادة مميزاته؛ لكنه ظل يظهر أمامك مضطرباً وغير واثق من أدائه؛ في حين أن غيره من الموظفين الأقل كفاءة، يظهرون ثقة أكبر ويدفعونك للاعتماد عليهم؟ في اعتقادي أننا في الغالب واجهنا تلك النماذج في أطفالنا أو موظفينا أو حتى في أنفسنا!
تلك الظاهرة يسميها علماء النفس بـ «متلازمة المنتحل» impostor syndrome وقد صاغ هذا المصطلح عالمتا النفس الأمريكيتان بولين كلانس Pauline Clance وسوزان إيمس Suzanne Imes، حيث نشرتا مقالاً بهذا الخصوص في العام 1978. وتقرر العالمتان أن أكثر المصابين بهذه المتلازمة «النفسية» هم من الإناث، وخصوصاً المتفوقات منهن! حيث يدور حديثٌ داخلي ما يلبث أن يتحول إلى صراع نفسي مزمن؛ يوهم الفتاة بأنها لا تستحق المستوى المتفوق الذي تبدو عليه، وأنها منتحلة لتلك المكانة التي تستحقها غيرها، وأنها تخدع المنبهرين بها وبإنجازاتها. وبدلاً من أن يمنحها تفوقها شيئاً من الثقة بنفسها؛ تتحول تلك الإنجازات عبئاً ثقيلاً يدفعها إلى نوعين من الإدمان: إما إلى إدمان «جلد الذات» والحط من قدرها والقبول بالمرتبة الأدنى في المعاملة والتقدير؛ أو إدمان بذل المزيد من الجهد المنهك حتى تستحق ما تناله من الإعجاب. لكنها في الأولى تنجح في رسم صورة مهزوزة ومخالفة لما تستحقه فعلاً، وفي الثانية تنجح في إضافة المزيد من الإنجازات وأيضاً التقدير الذي يشعرها بـ «الذنب» من جديد في دوامة مدمرة للذات لا نهائية؛ إلا إذا توقفت صاحبتها عن طريقة التفكير تلك.
من خبرة ميدانية أنا أتفق أن هذه المتلازمة تصيب الإناث أكثر؛ إلا أن الدراسات أثبتت أنها تصيب الجنسين وكل الأعراق دون تمييز. وأعتقد شخصياً أن هوس المرأة المفرط باستخدام مساحيق التجميل وحتى العمليات الجراحية التجميلية؛ ما هو إلا نتاج ذلك الإحساس بأنها لا تبدو بمستوى الجمال المناسب للإطراء الذي تناله من الآخرين. فتعيش صراعاً لاستحقاق ذلك الإعجاب أو للمحافظة عليه!
أنا أدرك أنني لم أفِ هذه الظاهرة حقها تحليلاً وعلاجاً في مقال مختصر؛ لكنني طرحتها لخطورة نتائجها المدمرة للذات، ولأنها تحرمنا الكثير من العقول الجميلة التي يمكنها أن تخدم نفسها ومؤسساتها وأوطانها والبشرية؛ لكنها تتوارى خلف قناعة راسخة؛ بأنها لا تستحق كل ذلك الاهتمام والمكانة. وللحديث بقية.

متعة الاندهاش!

قبل أيام زرت المؤسسة التي كنت أعمل فيها قبل التقاعد؛ وكعادتي مررت على مكتبي في الطابق الخامس ذي الإطلالة الساحرة على خور دبي. ومن خلال الحوار مع شاغليه الجدد لمست أنهم اعتادوا هذا المنظر الرائع، ما أفقدهم تلك الميزة التي لا تزال تحسدهم عليها بقية الموظفين.
إن الطبيعة البشرية غاية في الغرابة، وتقلب تلك الطبيعة بين المتناقضات أمر يدعو للتفكر بعمق في هذا الكائن الفريد الذي قال خالقه محفزاً ومتحدياً (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) الذاريات 21. فالإنسان يغلب عليه صفة العجلة واستباق الشيء قبل أوانه برغم أن كل شيء بقدر (ويدعُ الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عَجولا) الإسراء 11. لكنه ما إن يحصل على ما يريد حتى يسري إليه الملل والسآمة سريعاً، حتى لو كان الشيء جميلاً ومحبباً إليه؛ متناسياً ذلك الحرص والعجلة وكأن شيئاً لم يكن! وفي قصة قوم موسى عليه السلام أبلغ مثال؛ فبعدما أنزل الله عليهم طعام «المن والسلوى» من دون عناء؛ طالبوا موسى بالذي هو أدنى (وإذا قلتم يا موسي لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير) البقرة 61.
فهذه الطبيعة المتقلبة، والتي يتسلل إليها الملل سريعاً تحتاج لما يسميه علماء النفس بـ «الدهشة الفلسفية». تلك الحالة التي تخلصنا من الخمول الفكري والرتابة المملة عن طريق تجاوز البدهي من الأفكار والمشاهد. الدهشة المطلوبة هي حالة اعتراف بالجهل، وإحساس قوي بأن العالم من حولنا غريب وملغز. والبعض يسميها «الوعي بالجهل» وهو أولى مراحل المعرفة، لأنه يجبرنا على طرح السؤال ثم الإجابة عنه في مرحلة لاحقة. وبذلك يطرد الملل ويحل مكانه الفضول وحب الاستطلاع.
أتمنى ألا يعد القراء الكرام هذا المقال فلسفياً؛ بل هو محاولة للتفكير والتأمل بطريقة مختلفة تفجر منابع المعرفة والمتعة في آن واحد. فالدهشة الفلسفية ليست كالدهشة العلمية أو العامية؛ فالناس يندهشون أمام الظواهر الغريبة والنادرة لفهمها ومعرفة أسبابها (إذا عرف السبب بطل العجب)، أما المميزون فيندهشون أمام كل الظواهر، وحتى أمام أكثر الأشياء والوقائع ألفة واعتياداً بهدف الوصول لفهم أعمق وسبر أغوار ما وراء الأشياء وعندها تتحقق المتعة.
يقول ديفيد شوارتز إن التأمل بالدهشة مكنه من تأليف كتاب «العبقرية السهلة». فبمراقبة المارة وتأمل الملامح والإصغاء إلى الأصوات الهامسة يمكننا أن نؤلف روايات غاية في الإمتاع.

كيف تقضي على التميز

لدي اليوم موضوع مختلف عن كل ما كتبته سابقاً! اليوم لدي وصفة مضمونة للمسؤولين حتى يتمكنوا من القضاء على المتميزين في مؤسساتهم. وصفة تجعلهم ينجزون مهمة تحويل الموظفين إلى نماذج مكررة ومتشابهة في مستوى الأداء المتدني واللامبالاة وعدم الاكتراث إلا بالرسالة القصيرة المفرحة التي تصلهم من البنك في نهاية كل شهر.
بالمناسبة؛ أتمنى على القراء الأعزاء الذين تعودوا على مقالاتي التحفيزية ألا يقرؤوا هذا المقال، لأنه ليس موجهاً لهم؛ بل هو فقط لفئة تظن أنها من القيادات الإدارية بحكم مناصبها، ويتصرف أصحابها كأنهم زعماء يأمرون ليطاعوا من دون نقاش، وينسوا أن كلمة «مسؤول»، والتي هي بصيغة المفعول به تعني أنه يقع تحت طائلة المساءلة والإذعان لسلطة أعلى منحته تلك الصفة.
عزيزي الزعيم الأوحد، اعمل بالخطوات الأربع أدناه وأنا أضمن لك مؤسسة بائسة ومترهلة لا تخرج سوى نسخ متشابهة لن تهدد منصبك، ولن تزعجك يوماً بطموحاتها وأفكارها الخلاقة.
أولاً؛ تجنب تماماً تعيين الأذكياء وأصحاب الطموح والحماس المتوقد؛ لأنهم لا يحتملون الرتابة والروتين والإجراءات العقيمة، وسيحتاجون إلى التوجيه والاهتمام أو «الترويض»، ما سوف يهدر قدراً كبيراً من موارد المؤسسة في سبيل ذلك. وسيطالبونك برعايتهم وتنميتهم كصف ثانٍ من قادة المستقبل، والحكمة المصرية تقول؛ «ابعد عن الشر وغني له»!
ثانياً؛ لكن إذا تقلدت منصباً واكتشفت، للأسف، أن من بين موظفيك من لديه مهارات متميزة أو حماس متوقد للتطوير أو طموحات شخصية للترقي الوظيفي؛ فما عليك سوى إغراق هؤلاء بالمهام الروتينية المملة والمجهدة، مع التقليل من مساحة التدريب والتطوير الذاتي بحجة كثرة المسؤوليات. واحذر كل الحذر من إشراكهم في مشاريع أو اجتماعات تجمعهم مع الإدارة العليا حتى لا يتعرفوا إلى تميزهم، أو بالأحرى؛ لا يكتشفوا تواضع مستواك بالمقارنة معهم!
ثالثاً؛ إذا لم تفلح الخطوتان السابقتان واحتفظ الموظف بحيويته وحماسه، وبدأت إنجازاته بالبروز؛ فعليك بتعمد التقليل من شأن تلك الإنجازات، وأيضاً الحط من قدره أمام أقرانه في كل مناسبة سانحة، أو حجبه عن أي فرصة للتقدير أو التكريم.
رابعاً؛ في النهاية إذا فشلت كل مساعيك لتطويعه، وكان لا بد من التكريم؛ فاحرص كل الحرص على أن تكرم معه من لا يستحق التكريم ولم يحلم به! حتى يقتنع هذا «المتميز» أن أقصر الطرق إلى التميز الوظيفي هي الاستقالة الصريحة، أو ألا يكون متميزاً عن غيره في شيء. لأن «الحكمة» تقول؛ إن الذئب لا يأكل من الغنم إلا القاصية!
كونوا بخير.

أنا خير منه!

بعد فترة طويلة من البحث والانتظار؛ حصلت ابنة صديقي على وظيفة. كان سعيداً لسعادتها بالوظيفة التي جعلت شهادتها الجامعية التي سهرت لتحصيلها لسنوات ذات قيمة. لكن بعد أشهر قليلة جاءني الصديق والحيرة تملؤه؛ فابنته بدأت بالتذمر والشكوى من المدير؛ لقد اكتشفت أنه ليس محلاً للاحترام والثقة!! كيف؟ بالطبع الأمر ليس متعلقاً بأخلاق المدير أو سلوكه؛ بل بعدم امتلاكه للمهارات والكفاءات التي تجعله جديراً بثقة ابنته. بمعنى آخر؛ هي تجد نفسها أكثر كفاءة ومهارة ولا تجد ما تتعلمه منه.
الموضوع على درجة كبيرة من الأهمية، ويمكن أن أقول إنه شائع نوعاً ما وخاصة بين الموظفين الجدد والذين يتمتعون بدرجة كفاءة ملحوظة. بل أنا ممن وقعت بذلك الفخ في السنوات الأولى من حياتي الوظيفية. والحل باعتقادي لا يكمن في كيل المديح لتلك الموظفة المتفوقة، ولوم المدير غير الجيد ولا حتى العكس، لأن الموضوع أعقد من ذلك بكثير.
في السابق تكلمت كثيراً عن ظاهرة زهد المسؤولين في البرامج التطويرية وعزوفهم عن حضور الدورات التدريبية وتعلم المهارات الجديدة، مما يعرضهم لخطر إدارتهم لموظفين وخريجين جدد يمتلكون مهارات أكثر ومعلومات أحدث تواكب العصر. في المقابل فإن قلة الخبرة والحماس المتوقد والأحلام العريضة التي يتصف بها الموظفون الجدد تعرضهم للاستعجال وارتكاب الحماقات، وإبداء التذمر السريع من كل تصرف للمسؤول يتعارض مع الصورة المثالية التي رسموها في مخيلاتهم عن الحياة الوظيفية.
وبرغم يقيني أن العلاج الأنجع هو في توعية المسؤولين؛ إلا إنني اليوم أتوجه للموظف الجديد حتى يكف عن الوقوع فيما وقع فيه إبليس حينما قال لله تعالى عن آدم عليه السلام «أنا خيرٌ منه».
أولى خطوات الحل هو أن تكون صبوراً، وأن تتحلي بالتواضع وإدراك أنه «وفوق كل ذي علمٍ عليم» وحتى لو كنت متفوقاً في مجال ما؛ فلعل للمسؤول مجالات أخرى أكثر بروزاً وتفوقاً، فابحث عنها بصدق وتعلم منه قدر الاستطاعة. ثم إن الغضب وردود الفعل المتشنجة تفقدك الكثير من الحكمة ورصيد الاحترام لدى الآخرين ولن يوصلك لشيء. وأما الشكوى للمسؤول الأعلى فهي قاصمة الظهر، فالإحصاءات تقول إن 65 في المئة من المشتكين يتعرضون للعقاب بدلاً من المشتكى عليهم! وأخيراً؛ ومن تجربة شخصية أقول؛ إن أغلب المسؤولين يحفظون المعروف لمن يدعمهم بكفاءته ويساعدهم في نجاح إداراتهم. فحافظ على علاقاتك الطيبة واحرص على إكمال نقصهم، وتجنب الغيبة وأضمن لك ـ بإذن الله – مركزاً مرموقاً ولو بعد حين.
كونوا بخير.

مدونة د. عبدالرحيم الزرعوني – الشاعر والمستشار والمدرب في مجال الإستراتيجي والتنمية البشرية